الثلاثاء, 29 تشرين2/نوفمبر 2016 20:56

عبادة الله وخشيته

قيم الموضوع
(0 أصوات)

إنهم رجال وعباد:

 

تميم بن أوس الداري
فهذا تميم الداري يصلي ليلة كاملة بآية واحدة، يرددها ويبكي، وهي آية: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ [الجاثـية:21].

إنهم رجال، تجدهم آخر الليل:

عباد ليلٍ إذا جن الظلام بهم كم عابدٍ دمعه في الخد أجراه
وأسد غابٍ إذا نادى الجهاد بهم هبوا إلى الموت يستجدون رؤياهُ

 

سفيان الثوري وخشية الله
كان سفيان الثوري كثير البكاء .. وقد قال صلى الله عليه وسلم: (عينان لا تمسهما النار: عينٌ بكت من خشية الله) فمتى آخر ليلة بكيت فيها من خشية الله، وأنت قائمٌ تصلي، أو تقرأ القرآن، أو رافعٌ يديك تدعو الله، سل نفسك هذا السؤال، سفيان كان كثير البكاء، وكان يقول لما سئل: لم تبكي؟ قال: أخاف أن أكون في أم الكتاب شقياً، أخاف أن الله يكون قد كتبني من أهل النار. وهو القائم الصائم، العابد الزاهد، العالم الورع، ويقول: أخاف أن أكون في أم الكتاب شقياً، أن يكون الله قد كتبني من أهل النار.

 

عتبة الغلام
هل سمعت بشابٍ يُقال له: عتبة الغلام؟ هذا الرجل له قصص أغرب من الخيال، هذا الشاب كان يقوم الليل، وكان كثير البكاء، بات ليلة من الليالي عند عنبة الخواف، يقول: فسمعته يبكي طوال الليل، وهو يقول: اللهم إن تعذبني فإني لك محب، وإن تغفر لي فإني لك محب. ويسأل الله المغفرة، يقول: فلما جئته في الصباح قلت له: يا عتبة! لم هذا البكاء؟ لم هذا القيام الطويل والبكاء الشديد؟! فقال له: يا عنبة! ذكرت يوم العرض على الله. ثم سقط، فحمله عنبة وقال له: يا عتبة! قم ما الذي جرى؟ يا عتبة! قم ما الذي جرى؟ ثم أفاق فقال له: يا عنبة، قطع ذكر يوم العرض على الله أوصال المحبين، ثم بكى وقال وهو يخاطب ربه: أراك مولاي تعذب محبيك وأنت الحيي الكريم، يقول عنبة: ثم بكى وأخذت أبكي معه .. تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ [السجدة:16].

 

سفيان الثوري مع الفضيل بن عياض
نختم بهذا الموقف .. إنه لـسفيان الثوري مرة أخرى، يتقابل مع عابد الحرمين الفضيل بن عياض رحمهم الله جميعاً، عابدٌ مع عابد التقيا، فإذا بهما يتذاكران الله جل وعلا، فبكى هذا وبكى هذا .. فيقول سفيان من تأثره: إني لأرجو أن يكون مجلسنا هذا أعظم مجلسٍ جلسناه. أي: أرجو أن يكون عند الله من أعظم المجالس في الدنيا بركة، فقال له: الفضيل بن عياض: ترجو هذا؟ أما أنا فأخاف أن يكون هذا أعظم مجلسٍ جلسناه علينا شؤماً عند الله، فقال سفيان: ولم ذاك يا فضيل؟! لم تخاف من هذا المجلس الذي ذكرنا الله فيه فبكينا؟! فقال له الفضيل: ألست يا سفيان نظرت إلى أحسن ما عندك فتزينت به لي، وتزينت لك به فعبدتني وعبدتك؟ أي: كل واحد أخذ يرائي الثاني، انظر لاتهامهم لأنفسهم! فأخذ سفيان يبكي حتى علا نحيبه، ثم قال: أحييتني أحياك الله، أحييتني أحياك الله. قال بعضهم:

أيا من ليس لي منه مجيرُ بعفوك من عذابك أستجيرُ
أنا العبد المقر بكل ذنبٍ وأنت السيد الصمد الغفورُ
فإن عذبتني فبسوء فعلي وإن تغفر فأنت به جديرُ
أفر إليك منك وأين إلا يفر إليك منك المستجيرُ


وأحسن من هذا قول الله جل وعلا: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر:53].

لنرجع إلى الله جل وعلا، ولنجعل أولئك الرجال؛ الأنبياء والرسل، والصديقين والشهداء والصالحين، وأولئك الأسلاف، لنجعلهم قدوتنا، ولنتأسَّ بهم: أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ [الأنعام:90].

نسأل الله تبارك وتعالى أن يحشرنا وإياهم في جنة الفردوس، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

المصدر: من محاضرة الشيخ نبيل العوضي

قراءة 257 مرات

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة